الشيخ محمد رشيد رضا

213

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) وقوله ( أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) فكفر الانسان بهذا الركن من أركان الايمان يستلزم كفره بحكمة ربه وعدله في خلقه ، وكفره بنعمته بخلقه في أحسن تقويم ، وتفضيله على أهل عالمه ( الأرض ) حيث سخرها وكل ما فيها لمنافعه ، وعلى كثير ممن خلق في عالم الغيب الذي وعده بمصيره اليه ، وجهله بما وهبه من المشاعر والقوى والعقل ، وجهله بحكمته في خلقه مستعدا لما ليس له حد ونهاية من العلم ، الدال على أنه خلق لحياة لا حد لها ولا نهاية ؛ - ومن لوازم هذا الكفر والجهل كله ، احتقاره لنفسه باعتقاده انه خلق عثا لا لحكمة بالغة ، وأن وجوده في الأرض موقوت محدود بهذا العمر القصير المنغص بالهموم والمصائب والظلم والبغي والآثام ، وانه يترك سدى لا يجزى كل ظالم من افراده بظلمه ، وكل عادل بعدله وفضله ، وإذ كان هذا الجزاء غير مطرد في الدنيا لجميع الافراد ، تعين ان يكون جزاء الآخرة هو المظهر الأكبر للعدل العام ومما جاء في القرآن مخالفا لما عند النصارى من عقيدة البعث والجزاء ان الانسان في الحياة الآخرة يكون انسانا كما كان في الدنيا إلا أن أصحاب الأنفس الزكية والأرواح العالية يكونون أكمل أرواحا وأجسادا مما كانوا بتزكية أنفسهم في الدنيا ، وأصحاب الأنفس الخبيثة والأرواح السافلة يكونون انقص وأخبث مما كانوا بقبدسية أنفسهم في الدنيا ، ويعلم مما ثبت عن قدماء المصريين وغيرهم من الأقدمين أن الأديان القديمة كانت تعلم الناس عقيدة البعث بالروح والجسد ولو كان البعث للأرواح وحدها لنقص من ملكوت اللّه تعالى هذا النوع الكريم المكرم من الخلق المؤلف من روح وجسد ، فهو يدرك اللذات الروحية واللذات الجثمانية ويتحقق بحكم اللّه ( جمع حكمة ) وأسرار صنعه فيهما معا ، من حيث حرم الحيوان والنبات من الأولى والملائكة من الثانية ، وما جنح من جنح من أصحاب النظريات الفلسفية إلى البعث الروحاني المجرد إلا لاحتقارهم للذات الجسدية